نذير حمدان
49
حكمة القرآن والحضارة
يقول : هذا الفصل وما بعده مهم لأن هذه العلوم عارضة في العمران ، . . وضررها في الدين كثير ، فوجب أن يصدع بشأنها ويكشف عن المعتقد الحق فيها ، وذلك أن قوما من عقلاء النوع الإنساني زعموا أن الوجود كلّه الحسي منه وما وراء الحسي تدرك ذواته وأحواله بأسبابها وعللها بالأنظار الفكرية والأقيسة العقلية ، وأن تصحيح العقائد الإيمانية من قبل النظر لا من جهة السمع فإنها بعض من مدارك العقل ، وهؤلاء يسمّون فلاسفة جمع فيلسوف ، وهو باللسان اليوناني محبّ الحكمة . . . ووضعوا قانونا يهتدي به العقل في نظره إلى التمييز بين الحق والباطل وسموه بالمنطق . . . ثم يذكر شيئا من فلسفتهم ويرد عليها . . . ثم يتحدث عن ( السعادة ) في نظرهم فيقول : ويزعمون أن السعادة في إدراك الوجود على هذا النحو ( من العقلانية ) مع تهذيب النفس وتخلّقها بالفضائل ، وأن ذلك ممكن للإنسان ولو لم يرد شرع لتمييزه بين الفضيلة والرذيلة من الأفعال بمقتضى عقله ونظره وميله إلى المحمود منها ، واجتنابه للمذموم بفطرته وأن ذلك إذا حصل للنفس حصلت لها البهجة واللذة ، وأن الجهل بذلك هو الشفاء السرمدي . . ثم يذكر أرسطو ( المعلم الأول ) ويبين أسباب انتشار الفلسفة ويقول : وذلك أن كتب المتقدمين لمّا ترجمها الخلفاء من بني العباس . . . تصفّحها . . . كثير من أهل الملّة ، وأخذ من مذاهبهم من أضلّه اللّه من منتحلي العلوم . . . ومن أشهرهم الفارابي وابن سينا وغيرهما . . . وبعد الردّ عليهم ينهى كلامه : فهذا العلم كما رأيته غير واف بمقاصدهم التي حوّموا عليها مع ما فيه من مخالفة الشرائع وظواهرها ، وليس له فيما علمنا إلّا ثمرة واحدة وهي شحذ الذهن في ترتيب الأدلة والحجاج لتحصيل ملكة الجودة والصواب في البراهين ، وأخيرا ينصح طلاب العلم : فليكن النظر فيها متحرزا جهده من معاطبها ، وليكن نظر من ينظر فيها بعد امتلاء من الشرعيات والاطلاع على التفسير والفقه ، ولا يكبّنّ أحد عليها وهو خلو من علوم الملّة ، فقلّ أن يسلم لذلك من معاطبها . . . « 1 »
--> ( 1 ) مقدمة ابن خلدون 4 / 1199 ت . د / علي عبد الواحد وافي . باختصار شديد .